السيد محمد باقر الصدر
594
أئمة أهل البيت ( ع ) ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية ( تراث الشهيد الصدر ج 20 )
وجهةٍ سياسيّة ، [ لكن ] في حالاته الاعتياديّة كان هو ومن جاء بعده في تقيّةٍ شديدةٍ من ناحية هذا المبدأ بالذات ، وأنا أعتقد أنّ الأئمّة كانوا في تقيّة من ذهنيّة الرأي العام أكثر ممّا كانوا في تقيّة من ناحية خلفاء الجور والظلم « 1 » . لم يكن الأئمّة في تقيّة من ناحية خلفاء الجور بتلك الدرجة التي نراها في الروايات والأخبار ، لا أظنّ أنّها بتمامها كانت مستندةً إلى اتّقاء خطر خلفاء الجور ، وماذا يهمّ خلفاء الجور أن تكون الفتوى هكذا أو هكذا في مسائل الطهارة والصلاة والصوم ، ونحو ذلك من الأمور التي لا ترتبط بلهوهم وانسهم وسياستهم وشهواتهم التي [ تهمّهم ] « 2 » ، لم يكونوا يهتمّون بهذه الناحية بالمقدار الذي يجعل الإمام يتّقي هذا الاتّقاء الذي يبدو من الروايات . [ هل ] كان الإمام يتّقي في الموارد التي لا ترتبط لا من قريب ولا من بعيد بمسألةٍ سياسيّة ؟ حتّى في هذه المواضيع كان الإمام يتّقي ؟ ولماذا كان يتّقي ؟ « 3 » الإمام كان - في نظر المسلمين أجمع - رجلًا عالماً كاملًا عاملًا عادلًا متديّناً ، وكان لا يُشكّ في أنّه في طليعة أهل العلم والورع والتقوى ، فلماذا لم يكن يقول في مسألةٍ : « إنّ هذا حرام » أو « إنّ هذا حلال » ، ولا يهمّ ذلك الخليفة الجالس في قصره أن يكون هذا حراماً أو أن يكون ذلك [ حلالًا ] ما دام الخراج بيده وما دام الأمر أمره ونهيه ؟ الذي أراه هو أنّ ذهنيّة المسلمين التي كرّسها الانحراف السياسي
--> ( 1 ) راجع كلاماً له ( قدّس سرّه ) حول هذه الفكرة في : بحوث في علم الأصول 34 : 7 ، ( 2 ) في ( غ ) و ( ج ) : « التي تحتمل بهم » ، وما أثبتناه هو المناسب للسياق . ( 3 ) قال ( قدّس سرّه ) في بعض أبحاثه : « ما كان الأئمّة يمارسونه من تقيّة مع الحكّام إنّما يرجع إلى التعامل معهم كحكّام ، وعدم التجاهر بعدم صلاحيّتهم للحاكميّة ، لا تبرير فسقهم وفجورهم » بحوث في شرح العروة الوثقى 441 : 3 .